حاتم علي...دَمَج بين الفن النُخْبوي والشعبي فَلُقِّب بِمخرج الروائع

7:00
30-12-2020
أميرة عباس
حاتم علي...دَمَج بين الفن النُخْبوي والشعبي فَلُقِّب بِمخرج الروائع

يُعَد التوفيق بين الفن النُخْبوي والشعبي مُعضلة حقيقيّة يصعب على الفنّان حلّها إلّا في حال كان يرتكز في عمله على معايير مُحَنّكة، فيستطيع الجَمْع أو الدّمْج بين عدّة عناصر درامية (فنية-إنتاجية)، منها: تقديم عمل درامي ذي رسالة هادفة لِيُحوِّل الدراما إلى قوى ناعمة تُؤثّر على الرأي العام، وذلك مع إرضاء الأذواق المُتباينة بين الجماهير، إلى جانب "الرضوخ" إلى رأس مال المُنتِج المُمَوِّل الذي بات يتحكّم بِسوق الدراما، فيأتي هنا ذكاء المخرج ليُكرّس إبداعه في أعمال درامية تدمج بين العناصر الآنف ذكرها ليُقدّم أعمالاً درامية ذات قيمة فنية بحسب "متطلبات السوق"(وهو المصطلح الذي يستخدمه المنتجون)... وهذا ما إرتكز عليه المخرج السوري الراحل حاتم علي كإستراتيجية مُعتمَدة لصناعة الدراما طيلة مشواره الفني ما ميّز جميع أعماله حتى لُقِّب بِمخرج الروائع، وهو الذي كان يعتبر أنّ الفن العربي يفتقد لِمساحة من الحرية التي تُشكِّل أساساً للإبداع بهدف خلق بيئة إجتماعية ثقافية، بحسب ما صرّح علي خلال شهر آذار/ مارس المنصرم في لقاء عبر برنامج "صباح العربية".

بِرحيله عن عالمنا أمس بسبب أزمة قلبية مُفاجِئة، لقد خسر الفن العربي عامة، السوري خاصة والمصري أيضاً، مخرجاً من "العيار الثقيل" لكن أعمال الراحل حاتم علي راسخة في ذاكرة الجمهور العربي، ولعل أبرزها بحسب التسلسل الزمني:

مرايا (موسميْ 1998/ 1999)


لا شك في أنّ مسلسل "مرايا" لبطله الممثل السوري القدير ياسر العظمة حقّق نجاحاً منقطع النظير بين الأعمال الدرامية السورية حيث بدأ عرضه منذ عام 1982 ليعكس الواقع السياسي بطريقة الكوميديا السوداء وواكب كافة التغيّرات والتقلّبات السياسية والإجتماعية في المجتمع العربي عامة والسوري خاصة، وهذا النمط الدرامي ساعد في تقديم سبعة عشر جزءاً منه دون الوقوع في فخ التكرار أو المماطلة لأنّ كل جزء يختلف عن سابقه بإختلاف التطوّرات في المحيط الإجتماعي. ولقد أتاح هذا المسلسل فرصة للعديد من الممثلين والكتّاب الصاعدين -وقتذاك- حتى أصبحوا اليوم نجوماً، كما تناوب على إخراج مسلسل "مرايا" عدّة مخرجين أبرزهم المخرج القدير هشام شربتجي من ثمّ تمّ إكتشاف مخرجين جُدُد تولّوْا مهمة إخراج مسلسل مرايا وهم اليوم أصبحوا من أهم صنّاع ومخرجي الدراما العربية منهم الراحل حاتم علي الذي أضاف رؤية إخراجية جديدة على هذا المسلسل الجماهيري في موسميْه لعاميْ 1998/ 1999.

الفصول الأربعة (الجزء الأول:عام 1999 والثاني 2002)

بالرغم من أنّ هذا المسلسل يتصف تحت خانة المسلسلات الإجتماعية الكوميدية إلا أنّه حمل إشكالية صراع العلم والمال إلى جانب قضايا إجتماعية شائكة تحت إدارة المخرج حاتم علي، فيحكي المسلسل عن عائلة كريم (خالد تاجا) ونبيلة (نبيلة النابلسي) ولديهما خمس بنات. تتمحور الأحداث التي تمثّل هذا الصراع الاجتماعي بين صهر العائلة "مالك" وهو رجل رأسمالي غني من آل جوربار (سليم صبري) مع منافسة شديدة أمام عديله "نجيب" (بسّام كوسا) الذي لا يأبه بالمال بقدر إهتمامه بالعلم والعمل والكفاح، وذلك في مقابل عديلهما الآخر "برهوم" (أندريه سكاف) العاطل عن العمل بسبب شغفه بالفن والأدب والشعر، ليُعالج المسلسل في أحداثه أيضاً معاناة صهر العائلة الأرمل "عادل" (جمال سليمان) الذي ينهمك بين مهنة المحاماة وممارسة دور الأب والأم معاً لرعاية إبنته الوحيدة بعد وفاة زوجته، وكل تلك القضايا والأحداث تندرج في النهاية إلى خواتيم أنّ العائلة هي الكنف الحقيقي الذي ينتمي إليه كل أفرادها رغم تناقضاتهم كالتناقض الذي تتّصف به الفصول الأربعة. وهو من تأليف ريم حنا ودلع الرحبي (زوجة الراحل حاتم علي).

الزير سالم (عام 2000)


هو مسلسل سوري تاريخي يجسد شخصية عدي بن ربيعة الذي تدور قصته عن فارس وشاعر ينتمي إلى حقبة الجاهلية قبل الإسلام، وأحداث حرب البسوس، أنتج وعرض لأول مرة في رمضان من سنة 2000، المسلسل من إخراج حاتم علي وتأليف ممدوح عدوان، وقام بدور الزير سالم الفنان سلوم حداد.
لقد شكّل هذا العمل نقلة نوعية في مسيرة الراحل حاتم علي، كما أثمر مسلسلاً تاريخياً مميزاً في المكتبة الدرامية العربية رغم ندرة تقديم الأعمال التاريخية خلال هذه الحقبة الزمنية إلا أنّ المسلسل المذكور إستطاع تحقيق نجاحاً إستثنائياً. وبشهادة كبار النقاد، أثبت الراحل من خلال توليه إخراج "الزير سالم" أنه صاحب رؤية إخراجية لافتة حيث قدّم هذا العمل وكأنّه صاحب خبرة مهنية طويلة بالرغم من أنّ عمره حينها لم يكن يتجاوز الثمانية والثلاثين، فإستطاع بذلك منافسة المخرجين الأكبر منه في العمر الفني.

الثلاثية الأندلسية


هي سلسلة مسلسلات تولى إخراجها الراحل وألفها وليد سيف حيث تحكي عن تاريخ العرب في الأندلس بدءاً من نشأة الخلافة الأموية فيها، وهذه السلسلة تتألف من المسلسلات التالية: صقر قريش (2002)، ربيع قرطبة (2003)، وملوك الطوائف (2005).

هذه السلسلة الدرامية تُعد واحدة من ابرز الأعمال التاريخية التي قُدّمت في صناعة الدراما العربية، ويُشهَد لذلك بمخرجها حاتم علي فضلاً عن إكتمال كافة العناصر الدرامية الأخرى فيها مثل: النص والأداء التمثيلي.

 

التغريبة الفلسطينية (عام 2004)


يروي هذا المسلسل الذي أخرجه حاتم علي وألّفه وليد سيف قصة أُسرة فلسطينية فقيرة تُكافح مِن أجل البقاء في ظل الانتداب البريطاني ثمّ خِلال الثورة الفلسطينية الكبرى، وفي خِيم اللجوء بعد النكبة، حيث تُلخص الأحداث التي مرت بها هذه الأسرة حقبةً تاريخية هامة في حياة الفلسطينيين امتدت ما بين ثلاثينيات وستينيات القرن العشرين مروراً بالعديد من الأحداث الهامة، حتى نكسة يونيو عام 1967م، وكيفية صمود أفراد الأسرة على الرغم مما واجهوه من أخطار الحرب.

لقد أضاف هذا العمل على مسيرة الراحل حاتم علي الكثير من التميّز حيث لمع إسمه من بين المخرجين في العالم العربي، ويُعتبر مسلسل "التغريبة الفلسطينية" بمثابة ملحمة درامية حملت القضية الفلسطينية التي كان يؤمن بها الراحل حاتم علي حتى الرمق الأخير، فهو من مواليد الجولان السوري المحتل ونزح مع عائلته من مخيّم اليرموك، لذلك كرّس الراحل إيمانه بهذه القضية مع إنتمائه الوطني عبر تقديم المسلسل المذكور ببصمة فنية إنسانية ثائرة.

 

الملك فاروق (عام 2007)


عرض هذا العمل في رمضان سنة 2007 وهو مسلسل تاريخي من إنتاج سعودي يجسد حقبة حكم الملك فاروق الأول آخر من حكم مصر من أسرة محمد علي مؤسس مصر الحديثة، والذي ورث عرش مصر عن أبيه الملك فؤاد وانتهى حكمه بقيام ثورة يوليو 1952 ونفي الملك فاروق إلى خارج مصر.
لا شكّ في أنّ إختيار الراحل حاتم علي لتولي مهمة إخراج هذا العمل دوناً عن غيره دليلاً كبيراً على تميّزه في مجاله خاصة أنّه لم تتم الإستعانة بمخرج مصري لتقديم هذا العمل رغم أنه يتمحور حول شخصية سياسية مصرية هامة، كما أوكلت مهمة تجسيد شخصية الملك فاروق للممثل السوري تيم حسن. وكان للراحل حاتم علي بصمة خاصة في مسلسلات السيرة الذاتية من خلال العمل المذكور، وهو من تأليف لميس جابر. كما تلقى علي بعد هذا المسلسل العديد من العروض في الدراما المصرية.

قلم حمرة (عام 2014)


هو مسلسل سوري إجتماعي من تأليف يم مشهدي، إخراج حاتم علي وبطولة سلافة معمار إلى جانب عدد من نجوم الدراما السورية، ولا شكّ أنّ الفترة الزمنية التي قّدِم خلالها هذا العمل كانت تشهد على تخبّط إنتاجي -إن جاز التعبير- في صناعة الدراما السورية إلا أنّ هذا العمل إستطاع رصد رؤية إسقاطية للمجتمع السوري في ظل الحرب التي مرّ بها حيث تمحور المسلسل حول مشاكل الطبقة الوسطى قبيل اندلاع الحرب داخل سوريا وفي أثنائها، والحال التي وصلت إليها مع هواجسها، كما تطرّق المسلسل إلى مواضيع جريئة منها المعتقلات السورية، الدورة الشهرية والمثلية الجنسية.

أعمال أخرى


أما من أعمال الراحل التي لم تنال شهرتها المرجوّة رغم أنّها تستحق عكس ذلك، نذكر مسلسل "عصي الدمع" (تأليف دلع الرحبي) الذي عُرض في سنة 2005 ويتمحور حول "رياض" وهو الإسم عيْنه الذي يحمله بطليْ العمل أي المهندس رياض (جمال سليمان) وحبيبته المحامية رياض (سلاف فواخرجي)، وإنطلاقاً من الخط العاطفي تنعكس الأحداث الدرامية لتسلّط الضوء على العديد من القضايا الشائكة في المجتمع ومنها "العنوسة"، الفساد القضائي والرشوة وغيرها، إلى جانب التعاسة التي تشعر بها معظم الشخصيات الدرامية في هذا العمل لكنها تبقى مُتّسمة بالصبر ما ينطبق عليها عنوان المسلسل المقتبس من قصيدة أبي فراس الحمداني "أراك عصي الدمع شيمتك الصبر"...

 

كما لن ننسى تعداد بعض الأعمال الأخرى للراحل مثل: تأليفه فيلم "زائر الليل" الذي أخرجه محمد بدرخان، وكتب علي مسلسل "القلاع" الذي أخرجه مأمون البني، كما تولّى الراحل تأليف فيلم تلفزيوني بعنوان "الحصان" حيث أخرجه بنفسه، إلى جانب أعماله السينمائية منها: "العشاق"/ عام 2005، "سيلينا" / عام 2009. وبالحديث عن الراحل، لا بد من التنويه بأنّ المخرج حاتم علي، وقبل أن يمتهن الإخراج مع باكورة أعماله كمخرج في مسلسل "أمينة الصندوق" سنة 1994 ، كان قد بدأ الراحل حياته بالكتابة المسرحية وكتابة النصوص الدرامية والقصص القصيرة، وهو حاصل على إجازة في الفنون المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق قسم التمثيل عام 1986، ثمّ إتجه إلى التمثيل تحت إدارة المخرج هيثم حقي في مسلسل دائرة النار سنة 1988، ثم توالت مشاركاته في الأعمال الدرامية التي جسد شخصيات مختلفة، تتنوع بين الأدوار التاريخية والبدوية إلى الشخصيات المعاصرة بأنماط متعددة. أيضاً له لوحات كوميدية مع الفنان السوري القدير ياسر العظمة، وذلك قبل أن يرسم حاتم علي لنفسه هوية فنية خاصة في عالم الإخراج الدرامي حيث ستبقى لهذه الهوية بصمتها الخاصة بعد رحيله.